عبد الملك الخركوشي النيسابوري

353

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وقال الجنيد : هو بقاء الحقّ وفناء كلّ ما دونه . - وسئل أبو الحسين النوري عن الفناء فقال : والذي نفسي بيده إنه أول مقام من مقام التصوف . - وسئل أبو سعيد الخراز عن البقاء ، فقال : اعلم أنّ أوّل البقاء في حقائق البقاء الأثرة للّه عزّ وجلّ على جميع خلقه ، والفناء عن كل شئ إلا الاشتغال بدوام ذكره ، وكمال الفناء صدق الانفراد لصحة الشغل به ، حتى يكون هو الحظّ بسقوط كلّ حظ معه ، فيبدو عند ذلك باد من الكبرياء فيغيب في جنب ما بدا له من وجود حظه منه ، فيكون في أول درجات الفناء . وقال الشبلي : أفن كلك لمن أحببته حتى لا يبقى لك منك شئ . وقال أبو سعيد الخراز في معنى قوله عزّ وجلّ : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ « 1 » ، قال : أخلاهم في أفعالهم من أفعالهم وهو أول حال الفناء . - وسئل أبو يعقوب النهرجورى عن صحة علم الفناء والبقاء ، فقال : صحة العبودية في الفناء ، والبقاء ، واستعمال علم الرضاء ومن لم تصحبه العبودية في الفناء والبقاء فهو مدع . وقال الجنيد : إذا فنى العبد عن أوصافه أدرك البقاء بتمامه . وأنشدت : وطاح مقامي والرسوم كلاهما * فلست أرى في الوقت قربا ولا بعدا فنيت له عنىّ فبان له به * فهذا ظهور الحق عند الفناء قصدا أحاط بي التعظيم من كل جانب * وعاد صفات الحق حقا تلى العبدا وقال إبراهيم بن شيبان : علم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية وصحة العبودية ، وما غير هذا فهو الأغاليط والزندقة . وعن أبي سعيد القرشي قال : الفناء أن تبدو العظمة على العبد فتنسيه الدنيا والآخرة ، والأحوال ، والدرجات ، والمقامات ، والأذكار ، وتغيّبه عن عقله ونفسه ، وعن فنائه عن الأشياء ، وعن فنائه عن الفناء ، فيكون اللّه تعالى يقويه للأشياء كما أنطقهم حين أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام وأخذ عليهم الميثاق .

--> ( 1 ) سورة النحل : 53 .